محمد أبو زهرة

1887

زهرة التفاسير

في الآيات السابقة ذكر سبحانه وتعالى ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين ، وما يجب من علاج لأدواء النفوس فيها ، ووجوب العدالة الممكنة بها ، وما يجب عند تعذر العدالة الحقيقية ، وأنه إذا تعصى الداء ، وتعذر العلاج كان الفراق آخر الدواء ، وفي هذه الحال يكون كلاهما في سعة من رحمة الله الواسعة ، وفي هذه الآيات يشير سبحانه إلى سعة ملكه ، وأن كل شئ في ملكه وتحت سلطانه ، فهو الذي يغنى كلا ، وهو القادر على كل شئ ، وأنه بعد بيان عظم قدرته وسلطانه يبين وجوب العدالة بين الناس في علاقاتهم بعضهم ببعض ، كما يقول سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ . . . ( 135 ) [ النساء ] وقد توسطت هذه الآيات الدالة على عظم سلطان الله تعالى بين الأمر بالعدل في داخل الأسرة ، وهي اللبنة الأولى في بناء المجتمع ، وبين الأمر بالعدالة في المجتمع الأكبر ، وكان ذلك التوسط لتربية المهابة من الله في قلب المؤمن ، فيتجه إلى العدل الذي هو ميزان العلاقات الإنسانية كلها . وقد جاء في تفسير الطبري وجه آخر للمناسبة قال فيه ما نصه : « وإنما ذكر جل ثناؤه ذلك بعقب قوله : وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ تنبيها منه لخلقه على موضع الرهبة عند فراق أحدهم زوجه ، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه وزوجه ، وتذكيرا منه أنه هو الذي له الأشياء كلها ، وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذر عليه أن يغنيه وكل ذي فاقة وحاجة ويؤنس كل ذي وحشة » . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي لله وحده ما في السماوات والأرض من مطر ينزل ، وأرض تنتج ، وشمس تمد الكون بالدفء والحرارة والضوء ، وقمر منير ، ونجوم تزين السماء الدنيا ، وهو سبحانه وتعالى يملك ذلك كله ملك اختصاص وسلطان وقدرة وإنشاء ، فهو الذي أبدعه على غير مثال سبق ، وهو رب الدين في السماء والأرض ، وهو الذي يوزع الأرزاق بمقتضى حكمته ، وهو القاهر فوق عباده ، يقيم العدل ويغنى كلا من سعته بما يشاء ، وأنه لم يترك